أبي منصور الماتريدي
155
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - - بقول اللّه تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ أي : في عدتهن أو في الزمان الذي يصلح لعدتهن ، فاللام بمعنى ( في ) ، ووجه الدلالة : أن اللّه - عزّ وجل - أمر بالطلاق في الطهر ، لا في الحيض لحرمته بالإجماع ؛ فيصرف الإذن إلى زمن الطهر ، ففيه دليل على أن القرء هو الطهر الذي يسمى عدة ، وتطلق فيه النساء . - وبقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « مره فليراجعها ، ثم ليتركها حتى تطهر ، ثم تحيض ثم تطهر ، ثم إن شاء أمسك بعد ، وإن شاء طلق قبل أن يمس ، فتلك العدة التي أمر اللّه عزّ وجل أن يطلّق لها النساء » . فالرسول صلى اللّه عليه وسلم أشار إلى الطهر وأخبر أنه العدة التي أمر اللّه تعالى أن تطلق لها النساء ؛ فصح أن القرء هو الطهر . كما أن العدة واجبة فرضا إثر الطلاق بلا مهلة فصح أنها الطهر المتصل بالطلاق ، لا الحيض الذي لا يتصل بالطلاق ، ولو كان القرء هو الحيض لوجب عندهم على أصلهم فيمن طلق حائضا أن تعتد بتلك الحيضة قرءا ، ولكن لا يعتد بها . - وبحديث عائشة - رضى اللّه عنها - قالت : « إنما الأقراء الأطهار » . - ولأن القرء مشتق من الجمع ، فيقال : قرأت كذا في كذا ، إذا جمعته فيه ، وإذا كان الأمر كذلك كان بالطهر أحق من الحيض ؛ لأن الطهر اجتماع الدم في الرحم ، والحيض خروجه منه ، وما وافق الاشتقاق كان اعتباره أولى من مخالفته ، ويجمع على : أقراء وقروء وأقرؤ . القول الثاني : المراد بالقرء : الحيض ، وهو ما ذهب إليه جماعة من السلف كالخلفاء الأربعة وابن مسعود - رضى اللّه عنهم - وطائفة كثيرة من الصحابة والتابعين وبه قال أئمة الحديث والحنفية وأحمد في رواية أخرى حيث نقل عنه أنه قال : كنت أقول : إنها الأطهار ، وأنا اليوم أذهب إلى أنها الحيض . وقال ابن القيم : إنه رجع إلى هذا ، واستقر مذهبه عليه فليس له مذهب سواه . واستدلوا على قولهم بالكتاب والسنة والمعقول . - أما الكتاب فقوله تعالى : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ فقد أمر اللّه تعالى بالاعتداد بثلاثة قروء ، ولو حمل القرء على الطهر لكان الاعتداد بطهرين وبعض الثالث ؛ لأن بقية الطهر الذي صادفه الطلاق محسوب من الأقراء عند القول الأول ، والثلاثة اسم لعدد مخصوص ، والاسم الموضوع لعدد لا يقع على ما دونه ؛ فيكون ترك العمل بالكتاب ، ولو حمل على الحيض يكون الاعتداد بثلاث حيض كوامل ؛ لأن ما بقي من الطهر غير محسوب من العدة عندهم فيكون عملا بالكتاب ؛ فكان الحمل على ذلك أولى لموافقته لظاهر النص وهو أولى من مخالفته . - وأما السنة فما روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « طلاق الأمة اثنتان ، وعدتها حيضتان » ، ومعلوم أنه لا تفاوت بين الحرة والأمة في العدة فيما يقع به الانقضاء ؛ إذ الرق أثره في تنقيص العدة التي تكون في حق الحرة لا في تغيير أصل العدة ، فدل على أن أصل ما تنقضى به العدة هو الحيض . ولأن المعهود في لسان الشرع استعمال القرء بمعنى الحيض ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « تدع الصلاة أيام أقرائها » ، وقال لفاطمة بنت أبي حبيش : « انظرى إذا أتى قرؤك فلا تصلى ، فإذا مرّ قرؤك فتطهري ثم صلّى ما بين القرء إلى القرء » فهذا دليل على أنه لم يعهد في لسان الشرع استعماله بمعنى الطهر في موضع ، فوجب أن يحمل كلامه على المعهود في لسانه . وأما المعقول : فهو أن هذه العدة وجبت للتعرف على براءة الرحم ، والعلم ببراءة الرحم يحصل بالحيض لا بالطهر ؛ فكان الاعتداد بالحيض لا بالطهر . ينظر : المصباح المنير ( القرء ) الدسوقي ( 2 / 469 ) ، جواهر الإكليل ( 1 / 385 ) ، الفواكه الدواني ( 2 / 91 ) ، روضة الطالبين ( 8 / 366 ) ، مغنى المحتاج ( 3 / 385 ) ، تفسير القرطبي ( 3 / 113 ) ، إعلام الموقعين ( 1 / 25 ) ، المغنى لابن قدامة ( 7 / 425 ) .